عبد الملك الخركوشي النيسابوري
363
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
اللّه تعالى مستغفرا ، وأسرع إليه راغبا ، ولا يعرف مثل تلك الرّقة إلا هو ، لأنه أعلى الخلق منزلة وأسرعهم ترقيا في منازل الرفعة ، وأبلغهم علما ومعرفة واللّه تعالى أعلم بالصّواب . وقال أبو سعيد الخراز : إنما قال صلى اللّه عليه وسلم ذلك لأنه كشف له من عظيم حقوق اللّه عزّ وجلّ الواجبة على جميع خلقه ممن جرى عليهم اسم الخلق ، أن من شأن كل مصنوع مكون الوهن والعجز ، والضعف والفتور ، والغفلة ، وأن عليهم في هذه الحالات كلها التمسك بمواجب الحقوق عليهم ، ولو قد صح في فطر عقول الغافلين أنهم لا يقومون في حق من الحقوق الواجبة بما يلزم ، فيجب أن يكون النبي صلى اللّه عليه وسلم نظر من هذا الوجه ، وشهود هذا المعنى ، لأن حاله أتم وأعلى ، وإنما قلته من حيث أنا لا من حيث المصطفى صلى اللّه عليه وسلم . وقال أبو الحسين المزين : كان قلب المصطفى صلى اللّه عليه وسلم يتلألأ نورا وضياء وبصيرة ، يرى ذكر اللّه عز وجل له قدما في دوام أزليته ، وسوابغ نعمه عليه ، وتواتر كراماته ، وألطافه ، فيرى ذلك بصفاء قلبه ، ويتلقاه بالبشر والالتذاذ ، ويحب أن يقابله بذكره وشكره ، فيجد العجز عن ذلك ولا يرى القوة فيرى عدم القوة ، ووجود العجز غينا ، ويستغفر اللّه عزّ وجلّ من وجود العجز عن بلوغ الوفاء بما أوجبه اللّه تعالى من الشكر على النعمة على عباده . وقال بندار بن الحسين : استحسنت قول أبى بكر بن طاهر الأبهري في الغين ، فإنه قال : إن اللّه تعالى أطلع نبيه عليه السلام على ما يكون في أمته من بعده من الخلاف وما يصيبهم ، فكان إذا وجد ذكر ذلك ، وجد غينا فاستغفر لأمته . وعن الحارث المحاسبي قال : كان قلب المصطفى صلى اللّه عليه وسلم دائم الأحزان ، وله أزيز كأزيز المرجل من البكاء ، وكان ذلك مانعا لمرافقه وحائلا له بينه وبين اليسير مما لا بدّ منه ، وكان اللّه جلّ جلاله به حفيا رحيما ، يحب رفقه وإيصال ما يعود إليه نفعه ، فكان يدخل قلبه شيئا يسكن به الغليان والفوران رحمة من اللّه عزّ وجلّ به ، فكان إذا أحس بذلك فزع إلى اللّه عزّ وجلّ ، وكان استغفاره من ذلك . وقال أبو عبد اللّه القرشي : كان قلبه صلى اللّه عليه وسلم ناظرا إلى ربه عزّ وجلّ دائما ، وكان اللّه عزّ وجلّ يناديه بالكرامات في الوقت ، فكان إذا لاحظ الكرامات استغفر من نظره إلى ما سوى ربه عزّ وجلّ ، وهذه الحال الواردة .